ابن حزم
30
رسائل ابن حزم الأندلسي
ولمجتمع " استعلائي " النظرة ، تحول عفته الدينية - أو تعففه - دون التسليم ببحث الجسد عن جسد مناظر له . وفي المأدبة استطاع سقراط وحده أن يتحول بالحب - حسب تعليمات " ديوتيما " - إلى مجال آخر : فقد تدرج من أن الحب " روح " ( أو شيء يشبه الملاك ) وسيط بين الله والخلق ، وإن هذه الروح تحفز إلى اختيار المحبوب ، وذلك هو الجمال أو الخير ، والرغبة في ذلك تؤدي إلى السعادة ، وهذه الرغبة تعبر عن ذاتها بصور مختلفة ، فالناس يقولون إن النصف يبحث عن نصفه ولكن سقراط يرى أن الحب ليس رغبة في الاتحاد بالنصف ، وإنما هو رغبة في الاحتياز السرمدي للمحبوب - وهو الخير - ومهمة الحب هي " التناسل " فكل الناس " حاملون " روحياً وجسدياً ، وعندما يحين الحين يحسون بالحاجة إلى " الوضع " ، ولا يستطيعون ذلك إلا في الجمال لا في القبح ، وهذه " الولادة " هي أقرب شيء إلى الخلود مع الخير ، فالحب إذن هو حب الخلود ، مثلما هو حب الخير وهما سيان ؛ فمن كانت غريزته في " التولد " جسدية بحث عن المرأة ، ومن كانت رغبته في " التولد " روحية بحث عن الحكمة ؛ وهكذا يتدرج الحب : من تأمل الجمال الجسدي في واحد " يفرخ " في تأمله مشاعر جميلة ، ثم إلى تأمل الجمال المطلق خارج هذا العالم ، وهكذا يتم الانتقال في الحب من المادي إلى المعنوي ومن المعنوي إلى جمال المعرفة ، ومنها إلى جمال المعرفة الكلية العليا ( 1 ) . وهذا التدرج هو الذي لفت أنظار إخوان الصفا ، فبعد أن قرروا أن النفوس تتفاوت في المحبة بين نفس شهوانية وأخرى حيوانية وثالثة ملكية ( ناطقة ) وأن في جبلة النفوس محبة البقاء السرمدي ( 2 ) تحدثوا
--> ( 1 ) بإيجاز عن ( Symposium ) ص : 81 : 94 . ( 2 ) رسائل أخوان الصفا ( ط . بيروت ) 3 : 279 - 280 .